محمد متولي الشعراوي
4100
تفسير الشعراوى
غرضهم في العداوة للإسلام . إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ . إن الشيطان يراكم أيها المكلفون هو وقبيله . والقبيل تدل على جماعة أقلها ثلاثة من أجناس مختلفة أو جماعة ينتسبون إلى أب وأم واحدة . واختلف العلماء حول المراد من هذا القول الكريم ؛ فقال قوم : إنهم جنوده وذريته . ويقصدون جنوده من البشر ، ولم يلتفتوا إلى قول الحق : مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ فلابد أن يكون المراد بالقبيل هنا الذرية ؛ لأننا نرى البشر ، وفي قوله الحق تغليظ لشدة الحذر والتنبه ؛ لأن العدو الذي تراه تستطيع أن تدفع ضرره ، ولكن العدو الذي يراك ولا تراه عداوته شديدة وكيده أشد ، والجن يرانا ولا نراه ، وبعض من العلماء علل ذلك لأننا مخلوقون من طين وهو كثيف ، وهم مخلوقون من نار وهي شفيفة . فالشفيف يستطيع أن يؤثر في الكثيف ، بدليل أننا نحس حرارة النار وبيننا وبينها جدار ، ولكن الكثيف لا يستطيع أن يؤثر في الشفيف ولا ينفذ منه . إذن فنفوذ الجن وشفافيته أكثر من شفافية الإنسان ، ولذلك أخذ خفة حركته . ونحن لا نراه . إذن معنى ذلك أن الشيطان لا يرى ، ولكن إذا كان ثبت في الآثار الصحيحة أن الشيطان قد رئى وهو من نار ، والملائكة من نور ، والاثنان كل منهما جنس خفى مستور ، وقد تشكل الملك بهيئة إنسان ، وجاء لرسول اللّه وقال لنا صلى اللّه عليه وسلم : « هذا جبريل جاء ليعلم الناس دينهم » « 1 » . وعلى ذلك رأى السابقون المعاصرون لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم جبريل لا على صورة ملائكيّته ، ولكن على صورة تتسق مع جنس البشر ، فيتمثل لهم مادة . وقد ثبت أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم رأى الشيطان وقال : « إن عفريتا من الجن جعل يفتك علىّ البارحة ليقطع علىّ الصلاة ، وإن اللّه أمكنني منه فذعتّه فلقد هممت أن أربطه إلى جنب سارية من سواري المسجد حتى تصبحوا تنظرون إليه أجمعون » « 2 » .
--> ( 1 ) رواه مسلم في الإيمان . ( 2 ) رواه مسلم في المساجد ، والبخاري في الصلاة ، وأحمد ، ومعنى : « فذعتّه » : أي خنقته .